فخر الدين الرازي

261

المطالب العالية من العلم الإلهي

وهذا تقسيم دائر بين النفي وبين الإثبات ، ولا واسطة بينهما . فإن كان فعل العبد في الوجود من العبد ، فقد حصل المقصود . وإن لم يكن به ، فحينئذ يكون أمره بتحصيل العقل مع أنه لا قدرة له على التحصيل يكون أمرا له لما ليس في وسعه . وحينئذ تتوجه المحالات المذكورة . وإذا كان ترتيب الدليل على هذا الوجه لم يكن إلقاء لفظ الكسب « 1 » في البين : دافعا لهذا الإشكال البتة . وباللّه التوفيق . الحجة الثالثة : لو كان موجد فعل العبد هو اللّه تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل والترك ، تكليفا بما لا قدرة له عليه ، واللازم باطل . فالملزوم مثله . بيان الملازمة : أن العبد [ لو كان « 2 » ] له قدرة [ على الفعل « 3 » ] لكان إما أن يقدر عليه حال ما خلق اللّه الفعل ، أو حال « 4 » ما لم يخلقه اللّه . والأول محال . لأن ذلك الفعل لما دخل في الوجود بتخليق اللّه تعالى ، امتنع أن يقدر العبد على تحصيله . لأن تحصيل الحاصل محال . والثاني محال . لأنه تعالى إذا لم يخلق ذلك الفعل ، فلو قدر العبد على تحصيله كان هذا تسليما ، لكون العبد قادرا على التحصيل والإيجاد ، وذلك ينافي قولنا : إنه غير قادر عليه . فثبت : [ أن غيره قادر عليه . فثبت « 5 » ] أن موجد فعل العبد لو كان هو اللّه تعالى لما كان العبد قادرا على الفعل البتة . وإنما [ قلنا « 6 » ] أنه قادر على الفعل . لأنه إذا قيل لنا : انتقل من هذا المكان إلى ذلك المكان . ثم قيل لنا : اخلق شمسا وقمرا وسماء وأرضا . فإنا ببديهة العقل ندرك التفرقة بين البابين ، ونعلم بالضرورة : أنه يمكننا الحركة يمنة ، بدلا عن يسرة ، وبالعكس . ولا

--> ( 1 ) الأشعري قال بالكسب ، كحل وسط بين القائلين بالجبر وبين القائلين بالاختيار . والكسب يرجع إلى الجبر . كما فسره الأشعري نفسه في كتاب الإبانة . فقد ذكر الأشعري الحديث المنسوب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وفيه أن الملاك يكتب رزق الإنسان وأجله وأن شقى أو سعيد . واحتج به على القدر . فإذن القول بالكسب تبرير بدون دليل من القائل به . لأن القائل به دليل على الجبر . ( 2 ) من ( م ، ل ) . ( 3 ) ( م ، ل ) . ( 4 ) حال لم يخلقه والأول . . . ( م ) . ( 5 ) من ( م ) . ( 6 ) من ( ط ، ل ) .